أمجرمٌ أنت؟


هل سبق لك و أن ارتكبت جريمة؟ هل سبق و أن حرضت أحدهم على ارتكاب جريمة؟ هل كنت في حضرة جريمة تُرتكب و لم تتصرف حيالها؟ ترى هل أنت تؤمن بالجريمة؟ دعنا من الإيمان بها، هل تؤيد فكرة ارتكاب جريمة؟ أم أنك من أولئك الذي لا يقدِرون على الصمود أمام حديثٍ يدور حول جريمة؟

لنتكلم بسرية تامة هنا و قل لي، هل سبق و أن ارتكبت جريمة؟ جريمة لا يعلم عنها سواك؟ أنت وحدك فقط من يعلم بشأنها؟ وحدك من يتألم لأجلها؟ خِفية، خَفية في الخفاء؟ هل سبق لك و أن فعلت ذلك؟ ارتكبت جريمة في حق أحدهم و لا تزال حتى هذه اللحظة تتجاهلها في رأسك؟ تتألم من أجل ارتكابها وحدك؟

هل سبق لك و أن وقفت أمام المرآة، تتذكر نفسك بشحوب ترتكب تلك الجريمة في عتمة الليل دون أن يراك أحد؟ هرعت، هرولت، مضيت و أسرعت، و في لمح البصر أصبح “مجرم”؟ هل سبق و أن خبتْ أمام نفسك؟ “أنا مجرم، أنا مجرم، أنا الآن مجرمٌ ما الذي يا ترى علي فعله؟ كيف لي أن أطهر نفسي و أعود طاهراً من جديد؟” هل سبق و أن رددتْ ذلك في نفسك؟ لا يهم هنا أندمت على ما فعلت أم لا، قل لي فحسب، هل سبق و أن قلت ذلك في ومضة سريعة مثلاً حتى دون ندم؟ أنرى هل سبق و أن ارتكبت جريمة؟

 

قال لي أحدهم ذات مرة سائلاً: “بإمكَانك ارتكاب جريمة بحق شخص مَا؟”، فأجبتْ ببداهة مطلقة، بإمكاني ارتكاب جريمة بحق شخص ما؛ و لم أفكر حينها بشأن السؤال و ما هيتهِ و محاوره المتعددة؛ فكما أسلفتْ، أجبتُ ببداهة و بسرعة لا تدرك لقناعة تامة بإجابتي تلك التي أجبتُ بها في عميق عمقي. بعدها بوقتٍ قصير، توالت علي الهجمات، و أتتْ بأبشع ما تكون، قريبة شبيه بـِ: كيف لكِ أن ترتكبي جريمة بحق شخص ما؟ بكل هذا الازدراء؟ بكل هذا البرود و الجماد؟ من تظنين نفسك؟ لم تظلمين الناس؟ كيف تستطيعين فعل ذلك؟ هل أنت مستمتعة بظلم الأخرين و الإساءة إليهم؟ أين ضميرك؟ .. إلخ، و ما سواه مما ورد و وصلني؛ و أنا بدوري، محاولةً تفادي كل تلك الهجمات، أقمتُ السؤال و ما أجبت به عليه من مكانه، علني أسلم مما تعرضت له و لو بشيءٍ يسير.

بعد تفكير نصف طويل، أعدت السؤال مرة أخرى لمكانه و كانت إجابتي الجديدة عليه كالتالي: “نعم، بإمكاني ارتكاب جريمة بحق أحدهم”، و أنا على قناعة تامة أني لن أقوم هذه المرة بحذفه و اقتلاعه من مكانه مرة أخرى و إن توالت و تعالت علي الضربات و الهجمات.

 

دعني الآن أسألك مجدداً، هل سبق و أن ارتكبت جريمة؟ الذكي أن أسألك أولاً قبل السؤال الذي سألتك إياه، هل بإمكانك أن ترتكب جريمة حقاً، أولاً؟ هل بمقدورك فعلُ ذلك؟ سواءاً بحق أحدهم أم بحق مجتمع أو دولة، أو بحقك حتى؟ و لكن، سأستمر في السؤال و أقول لك من جديد، هل سبق لك و أن ارتكبت جريمة؟

 

أسبق و أن قتلتَ رجلاً؟ ظلمك بالأمس و أساء إليك شر السوءة، و ما كان منك بدورك إلا و حملت لأجله سكيناً مهرولاً نحوه طاعناً في صدره جاره يمنةً و يسرةً و لا ينفك فاهك يزمجرُ شر زمجرة؟ أسبق و أن فعلت ذلك؟ ألم يسبق لك و أن مزقت قلب طفل صغيرٍ مادٍ يده بخفاء لأجل الحصول على حلوة لا تعني شيئاً لك مقارنة بمتجرك الكبير؟ ألم يسبق لك أن خالفت قانوناً وضعته الدولة لأجل مصلحة العامة كما تدعيه الدولة؟ و لحسن الحظ لم يعلم أحد بشأن مخالفتك؟ ألم يسبق لك و أن خنتْ صديقاً وفياً لك؟ حتى و إن كان ذلك خيالاً تخيلته في رأسك، لجبنٍ منك ما اقتدرت على خيانته في أرض الواقع؟ ألم يسبق لك و أن أثارتك امرأة ما، تمشي على قارعة الطريق و ما كان منك إلا قمت بتقبيل شفتيها في رأسك متخيلاً حلاوة شفتيها اللذيذة؟ ألم سبق لك و أن فعلت الكثير و الكثير الذي لا تستطيع أن تخبرني عنه؟ ألم تتساءل و أنت تستمر في القراءة يا ترى ما هي الجريمة؟ ما هي الجريمة التي أتحدث عنها هنا؟ و ما الذي أقصد به جريمة؟

 

حسناً أيها السادة، الجريمة ليست سوى اسم أطلق على كل أمرٍ و فعلٍ ايجابيٍ كان أم سلبياً يكون، يعاقب على ارتكابه القانون؛ و القانون بدوره ليس سوى نصٍ أو نصوص، و الأوضح أن أقول، ما هو إلا أحكامٍ تنشؤُه الدولة بعيداً عن الأسباب التي تدفعها لإنشاء تلك النصوص، و الأحرى بالقول، تلك الأحكام.

ارتكاب الشيء، ما هو إلا فعل المنهي عنه، باقترافه و الإيتان به. ارتكاب شيء، أي فعله، و الفعل ما هو إلا إحداث شيء محسوس أو ملموس بزمن و مكان معين؛ و ذلك يقتضي أن ارتكاب جريمة ما من الممكن أن يكون محسوساً أو ملموساً، بمعنى، جريمة في أرض الخيال تساوي تماماً مثلها في أرض الواقع، فهذا محسوسٌ و ذلك ملموس، و كلاهما فعل مخلوق بزمن و بمكان معين.

على هذا، لك أن تتساءل ما عدد الجرائم التي ارتكبتها، محسوساً أم ملوسة تكون؟ فكما يتبين لنا، أننا و إن كنا نحدث الفعل في مخيلاتنا نخالف فيه قانوناً، فنحن نجرم بحق أحدهم. بحق من نخاف القانون الذي أنصه. أياً يكون هذا القانون، و أياً يكون ما ارتكبت فيه من جرم، ألك أن تتخيل ما مدى العقاب الذي تستحقه حين تجرب؟ أية جريمة؟ نعم أقصد كلاهما، المحسوس و الملموس! فأنت ترتكب جريمة، هذا يعني أن تنال عقاباً على جرمك، بعيداً عن من يقيم عليك العقاب أنفسك تكون أم الجهة التي أجرمت بحقها. فالعقاب واجب على الجريمة، و مرتكبها.

يقول أمين معلوف: “الإفلات من العقاب، لا يقل انحرافاً عن الظلم؛

و الحق يقال، إنهما وجهان لعملة واحدة.”

و أنا أتفق معه تماماً. فلا بد من العقاب على الجريمة، و لا حق في الإفلات عنها مطلقاً.

أخبرني بكل صدق و بلا امتعاض، ما عدد الجرائم التي قمت باقترافها؟ و هل تعترف في نفسك أنك ترتكب جريمة؟ و إن اعترفت، أتعاقب نفسك لارتكاب الجريمة؟ أم أنك تتجاهل كل ما يدور في رأسك داخلاً بين أذنيك؟ أتحاور نفسك و تقيم عليك حدوداً بالجزاء و العقاب أم تمضي عائشاً هائماً لا تلقي بالاً للحياة التي في رأسك؟ أثمة في رأسك حياة يا ترى؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s