لا تثق بالحب


أنا أحبك. أحبك و لا أحبك في الوقت ذاته. لا أعلم كيف، و لكنها حقيقة. أحبك في حين، و أحبك في أخرى، و لا أحبك في ثالثة. لا أدرك أيضاً كيف ذلك، و لكنني كذلك.

حسناً، الحب نوعان، و الأصح إن قلنا صنفان. فحين أحبك بلا سبب أو لسبب كصفة تحملها، كفعل تفعله، كتصرف، كأسلوبٍ، كطريقة،
و ما إلى ذلك، فأنا أحبك حباً، و لنسمه أحبك حباً من صنف (أ). و حين أحبك لأنك تثيرني بشكل ما و تثير كيميائيتي، فأنا حينها أحبك حباً من صنف (ب).

إذاً لدينا نوعان من الحب. حبٌ يتمحور حول الشخص المُحَب، لا هو بعينه. و هذا النوع من الحب يكون متبادلاً مع أيةِ صفة، جماد، مكان، زمان، شيء ما أو أياً كان. و هو الحب الذي يتغير بتغير سبب الحبِ أو المحبة. مثلاً لو أحب أحمد علي لأن أسلوب حديثه جميل. هنا أحمد يحب الأسلوب لا علي بعينه، و إن غير علي لسبب أو لآخر أسلوب حديثه فأحمد سيتبدد لديه الحب الذي كان يكنه لأسلوب علي لا علي بحد ذاته. نفس الأمر يجري مع كادي حين تحب الشركة التي تصنع الأجهزة الإلكترونية بسبب أناقة صنعها للأجهزة. فتجد كادي هنا أنها لا تشتري جهازاً إلا من هذه الشركة، و إن اشترتْ من شركة أخرى، تجد أن أغلب أجهزتها من هذه الشركة لأنها تحب أناقة هذه الشركة في صنع الأجهزة. و ستجدها أيضاً أنها ستتوقف عن شراء الأجهزة من هذه الشركة حين تغير الشركة أسلوب أناقة الأجهزة في تصميماتها، ربما لأن التصميم الجديد و إن كان أنيقاً لم يرق لكادي بعد التجديد، لذا تجد حب أناقة أجهزة الشركة بدأ يتبدد لدى كادي بتغير أسلوب التصميم. و ريما أيضاً، فحين تحب كاتباً بسبب فلسفة كتاباته فهي تحب الفلسفة لا الكاتب بعينه، و إن حصل و غير الكاتب أسلوب فلسفته، فليس شرطاً أن تتوقف مشاعر حب الأسلوب لدى ريما، ربما تستمر في حب الأسلوب الجديد أيضاً، و لكن نلاحظ هنا أن مشاعر حبٍ جديدة بدأت بالتكون في حين تلاشت مشاعر الحب القديمة، و كل هذا دون أن تشعر ريما بالأمر. فحين تحب أسلوب الكاتب الجديد، هذا لا يعني أنها استمرت بمشاعر الحب لأسلوب الكتاب القديم، بل إن ريما لم تلاحظ تغير أسلوب الكاتب، و لم تلاحظ بتكون مشاعر حب جديدة متوافقة مع الأسلوب الجديد. عقل ريما لاحظ التغيير و حين بدأت ريما بحب الأسلوب الجديد لم ينبها عقلها بتغير أسلوب الكاتب أصلاً، فعقلها يجد أن اخبار ريما بتغير الأسلوب لم يعد مهماً حين بدأت بحب الأسلوب الجديد. و لكن ان صدف أن ريما لم تحب الأسلوب الجديد، لأدركت أن أسلوب الكاتب تغير، لأن عقلها سيخبرها بالأمر لأنها لم تحب الأسلوب الجديد.

هذا النوع من الحب يمكن صناعته بالرغبة، أي أننا نستطيع أن نجبر أنفسنا بحب صفة، مكان، زمان، شخص، أو أي شيء معين دون أن نحبه بلا إراديتنا! فمثلاً، جين شابٌ لا يستطيع أن يشتري براتبه الضئيل الأشياء التي يحبها بسبب غلائها. لذا فهو يجبر نفسه بحب ماركة رخيصة على أن يسرف ماله على ماركة غالية ليس بقدوره كسب قوته إن اشترى من تلك الماركة باهضة الثمن. و إن استمر بإجبار نفسه بحب تلك الماركة الرخيصة، فهو سيحبه حبهُ حباً حقيقياً! فتجده حتى بعد وقتٍ من الزمن و إن ازداد راتبه، يشتري من نفس الماركة الرخيصة. و إن سُئل عن السبب يقول لا أعلم! و في حقيقة الأمر، العقل لا يخبره بأنه قد أجبر نفسه آنفاً بأن يحب تلك الماركة، و غالباً في هذه الحالة نقول بأنها: “كذبة ألفها بنفسه و صدقها”. لكن في حقيقة الأمر سيتجاوز عقله حقيقة اجباره نفسه بحب تلك الماركة، و سيظل العقل يشاركه بأنك يا جين تحب تلك الماركة الرخيصة. و يظل جين لا يعلم السبب!

إذاً، نستنتج أن/:

– الحب (أ) هو حب لصفات، أسلوب، طريقة الأشخاص، لا لشخصٍ بعينه أو بحد ذاته.
– الحب (أ) ليس شرطاً أن يتبادل مع كائن حي، قد يصدف أن يكون الطرف الآخر غير حي. جماد ربما!
– الحب (أ) يتلاشى و يتبدد بتغير سبب المحبة، حتى و إن لم نشعر بتغير ما نحب، لكن التغير حاصل.
– الحب (أ) أيضاً يمكننا صناعته في أي حالٍ من الأحوال.

نأتي للحب (ب)، و هو الحب المحرم إن صح التعبير! محرم الحدوث و محرم الحديث، لذا سأختصره جداً في الحديث تجنباً للهجمات : )

هذا النوع من الحب هو ما يبحث عنه الغالبية –إن لم يكن الكل-، هو الحب الذي نستلذذ به، الحب الذي يثيرنا، الحب الذي يشبعنا، الحب الذي يوصلنا لطبقات السماء. هو الحب الذي تكتفي به شبعاً في كل رغبة. و هو الذي يكون متبادلاً مع شخصٍ بعينه. و هذا الحب غالباً يكون للكائنات الحية، بمختلف أنواع الكائنات. و هذا الحب هو الذي يقاس بالدرجات، فحين تحب كاميليا ذاك الرجل الذي يثيرها بكل ما هو عليه، فإنها تثار بوجوده و ستحاول اشباع نفسها منه. و في الوقت ذاته فإن مرة عليها في حياتها مع وجود ذاك الرجل المثير آخرٌ يثيرها و يثير كيميائيتها لدرجة أكبر من الرجل الأول فهي ببساطة تخون؛ و ليس شرطاً أن نسمي هنا فعلتها خيانة! إن كاميليا ببساطة تستطيع أن تخبر حبيبها –الرجل الأول الذي كان يثيرها- بأنه لم يعد يثيرها كما كان، و بأنها راغبة في إنهاء تلك العلاقة. في حقيقة الأمر، عقل كاميليا يخبرها بأن الرجل الأول لم يعد يثيرها بعد الآن –بعدما قابلت الرجل الثاني- و لا يخبرها بالمقارنة التي أجراها عقلها بين درجات الإثارة التي تشعر به بمقابلة الرجلين. و لكن العقل يقارن بين درجات الإثارة التي تشعر بها كميليا، فإن تفاوتت يخبرها العقل بأن الأقل درجة لم يعد يثيرها أبداً. فيصدف أن تقابل رجلاً يثيرها بدرجة أقل من إثارة الرجل الثاني، فبهذا هي لا تنهي علاقتها أو –تخون- الرجل الثاني لقدوم الرجل الثالث. لأن العقل يصمت عنها و لا يخبرها بأن الرجل الثالث يثيرها لأنه درجة إثارته لها أقل من درجة اثارة الرجل الثاني لها. و رغم هذا و ذاك، تظل كيميائية كاميليا مثارة كلما رأت الرجل الأول و إن أنهت العلاقة معه منذ زمن. و لكن ما يجري هنا أن العقل لا يخبر كاميليا أحياناً أنها تثارُ من قبل الرجل الأول، لذا هي لا تلقي بالاً له ظنناً منها أنه لم يعد يثيرها مطلقاً. و يصدف أيضاً أن يخبرها العقل في يوم ما أن الرجل الأول يثيرها، ربما بدرجة أكبر من الرجل الثاني، فتجد كاميليا تعود لسابق علاقتها الذي أنهته، فتعود للرجل الأول و تبدأ معه علاقة جديدة و كأن شيئاً لم يكن. و هذا يفسر تصرف الكثيرين من الأحباء. إذاً العقل يجري مقارناتٍ لدرجات الإثارة، و يخبرنا فقط بأن الشخص الأكبر درجة هو الوحيد الذي يثيرنا دون سواه.

هذا النوع من الحب لا يمكن خلقه بأنفسنا، أي أن كيميائيتنا بشكل أو بآخر متوافقة مع كيميائية شخص آخر، و لا يشترط أن يكون هذا الشخص فريداً لا يتكرر. فأحياناً نجد شخصاً بسيطة التركيبة في كيميائيته، يتوافق ببساطة مع أشخاصٍ عدة. و هذا النوع من الناس سهل المعاشرة حباً و علاقة. و نجد آخرين معقدو التركيبة, فلا يتوافقون كثيراً مع الآخرين إلا قليلاً. أيضاً، لا يشترط في هذا الحب أن يكون الطرف الآخر بشراً! فكل الكائنات الحية لها كيميائية معينة، و يصدف أن تتطابق كيميائيتان أو ثلاثة من جنس واحد! أو من كائنين مختلفين! و هذا ما يفسر ما نجده في بعض الدول بعلاقة بشريّ بغير بشريّ و من غير عدد محصور. و لكل مجتمع ضوابطه و عاداته و تقاليده و أديانه الذي يرسم حدوداً لكل شيء.
هذا يفسر لنا أيضاً، كيف نجد أحياناً أن أماً أو أباً لا يحب مولوده الجديد. و لا يتوافق معه أبداً. فتجده يرفض معاشرته ومعاملته رغم أنه من صلبه! ببساطة هناك طفراتٌ في التركيبات الكبيمائية. فتصادف والدين لا يتوافقون مع أبناءهم في تركيباتهم الكيميائية! أو أماً لا تتوافق مع مولودها كيميائياً، و أباً لا يتوافقُ مع مولوده كيميائياً، فتجدهم لا يتأقلمون مع بعضهم و لا يحبونهم مطلقاً! لذا، لا يجب علينا لومهم! فهنالك الطفرات و الشواذ!

إذاً نستنتج أن الحب (ب):/

– يكون متبادلاً مع كائن حيٍ بعينه لا بسبب صفة أو شيء آخر.
– يكون بين الكائنات الحية فقط من غير الجمادات, لأن جميع الكائنات الحية تحمل كيميائية معينة.
– لا يمكن الوثوق به. فهو يتفاوت بتفاوت درجات التوافق الكيميائي (درجات الإثارة).
– لا يمكن اختلاقه و صنعه ارادياً.

في النوع الأول، العقل سيد الموقف دائماً! و في النوع الثاني، القلب سيد الموقف غالباً! لذا، كثيراً ما نحاول مجاراه القلب و معاكسته رغبته في النوع الثاني. فيصدف توافق كيميائيتك مع أحدهم، و لكن الوضع و المكان و لأسباب أخرى، لا يمكن توافقكما اجتماعياً، كتكوين علاقة حب مثلاً! لذا نستخدم عقلنا في تلك الحالات. و النوع الأول يعاكسه، فالعقل يتماشى مع نفسه و يخبرنا فقط بالنتيجة و نسايره دون وعي كاملٍ منا!

في كلا النوعين و الحالتين، نجد أننا في أوقاتٍ معينه و في تصرفاتٍ معينه، لا نتحكم بالعقل/القلب، بل هو أحياناً يتحكم بنا و في أخرى يخدعنا : )

عموماً، في كلا النوعين من الحب، لا حصر لعدد الأطراف، و لا يمكننا الوثوق بمشاعرنا و لا بعقولنا. فمشاعرنا تسئم منا في حين و ترافقنا في أخرى. لذا وجب الحذر من مشاعرنا، و خصوصاً الحب. رغم جماليته و روعته، إلا أنه يجب علينا الحذر منه. يجب علينا أيضاً أن لا نبني مشاعراً أخرى استناداً على الحب، علينا أن لا نعتمد عليه، أن لا نثق به. العقل خادع، و الحب أكثر خداعاً منه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s