ما مدى روعتِك؟


لنتوقف قليلاً هنا. نرمي بكل الأوشحة من على وجهنا بعيداً، و من ثمّ ننطلق نعتري من كل قطعة تكسونا تحول بيننا و بين قول الحقيقة. كذلك أنا بإمكاني قول الحقيقة من غير تعري! أنا لا أقصد تلك الحقيقة، تلك التي إعتاد الكل على بصقها و كأنها خفيفة. لا يا صديقي أنا لا أعني تلك الحقيقة سهلة القول. دعني أخبرك ما الذي أتحدث عنه بكل هذا الحزم و الوقار.

أَتعريت الآن من كل شيء؟ انتبه، يبدو أن هنالك على طرف لسانك قطعة أخيرة، أبعدها عنك. هذه المرحلة هي الأهم. أأنت جاهز الآن؟ حسناً، لنبدأ.

أخبرني يا صديقي عن مدى روعتك؟ أعلم ذلك، أنت حسن الخلق، طيب، حنون، و في مرات لا تُذكر تظهر شراستك، و لكن هذا لا يخفي حقيقة مودتك وَ لطفك في كثير من الأوقات، أليس كذلك؟ أنا الآن في حيرة من أمري! كيف لي أن أتأكد بأن ما قلته صحيح؟ و أن ما أعرفه عنك ليس بزيف؟ كيف لي تأكيد ذلك؟ أنا لا أنكر هنا حقيقة معرفتي بك، لكن لا أستطيع في الوقت ذاته أن أجزم على مدى روعتك! معاشرتي لك، قضاء معظم الوقت معك، كذلك تلك المواقف التي تثبت جدارة صحبتك، لا تأكد و لا تجزم على مدى روعتك! كل هذا شبه يومي. معتادون نحن عليه، بالمعنى الطويل، أنا كذلك أستطيع أن أكون لطيفاً حنون القلب مع ذلك المسن مقدماً له يد العون كي أساعده على عبور الطريق المزدحم. بإمكاني فعل ذلك حتماً، صدقني و بطريقة أروع من الطريقة التي فعلت أنت بها. هذه أسطوانة قديمة، و عتيقة جداً يا صديقي. إعتدنا على كل هذا و ما يشابهه، بل و تشربناه حتى حفظناه عن ظهر قلب. 

ما أحتاج إليه الآن، ما أبحث عنه كذلك شيء جديد. شيء خارج عن المألوف، لنقل مثلاً حدوث كارثة ما. كإنفجار بركان على مقربة منك مثلاً، سقوط طائرة تحمل مئات الناس على متنها بالقرب منك، إنفجار قنبلة نووية في الطريق الذي كنت تسلكه متجهاً لمنزلك، ماذا عن هزة أرضية مدوية؟ و أنت وسط الكثير من الغرباء؟ أناس لأول مرة تقابلهم؟ أنت في حقيقة الأمر هنا يا صديقي لم تقابلهم و لم يسبق لك فرصة لقاءهم حتى. غير أن تلك الهزة الأرضية صادفت أن تحدث و أنت تسير على الطريق من بينهم ما كنت لتلتقيهم. هل ستظل روعتك قائمة؟ أم أنك تتلاشى و تتلاشى معك روعتك المطلقة؟ هل ستقدم لهم يد العون كما فعلت مع الرجل المسن الذي لم تكن تعرفه؟ أم أنك سترمي الجميع بعيداً عنك لكي تنجو أنت أولاً؟ أخبرني عن ما مدى روعتك؟ مدى لطفك؟ ما مدى كرمك؟ مدى حقارتك؟ ما مدى إنسانيتك؟ هل أنت كالحثالة؟ هل ستكشر عن أنيابك؟ إنها فرصتك، هناك بالقرب منك حقيبة مليئة بملايين الدولارات. انتهز الفرصة! لا تدع أحداً يسبقك إليها، لا عليك، انسى أمر الهزة قليلاً الآن، الهزة ستنقضي و ستنتهي، أنا أعدك بذلك. هيا اندفع. لا تأبه لأحد و انقض كما الأسد عليها. إنها فريستك الطرية على طبق من ذهب.

أخبرني يا صديقي عن مدى روعتك؟ ألا تزال تحتفظ بإنسانيتك؟ ما بك يا رجل! لُذ بالفرار منها و افعل ما يحلو لك. لا وقت للإنسانية الآن، أمامنا حقيبة كبيرةٌ لا تتكرر، مليئة، مليئة بمستقبل مزهر.

كنت قبل قليل، شاهدت فيلماً يدعى “aftershock” أي “هزةٌ إرتدادية”، و هو من إنتاج عام 2012 من الميلاد. لا أتحدث هنا عن سوء/روعة الفيلم فنياً أو تقنياً. كل ما هنالك أنني كنت قد تساءلت بعدما شاهدت الفيلم، ما مدى روعتي يا ترى في حقيقة الأمر؟ هل سأحتفظ بكل هذه الصفات التي أتصف عليها بقدر ما كانت سيئة/حسنة في لحظات الفاجعة؟ اللحظات المؤلمة المفاجأة غير المعهودة؟ غير المسبوقة؟ غير المحفوظة؟ هل سأحتفظ بحقيقة كوني أنا أنا؟ أسأتلاشى من “أنا” التي اعتدتُ أن أصف بها نفسي؟ بدأت أشك بأمري! على أي هيئة سأظهر عليها وقتها؟ من سأكون؟ كيف سأكون؟ كيف ستبدو هيئتي الإنسانية؟

يتحدث الفيلم المذكور أعلاه، ببساطة عن كارثة تسونامي التي تحدث في أحد دول قارة أمريكا الجنوبية. الجدير بالذكر هنا، أن الفيلم لا يجسد في المقام الأول مدى الفاجعة التي تحدث جراء تلك الكارثة. بل إنه يصور حقيقة الإنسان على حقيقتهِ مجرداً من كل الوشاحات التي كان يتوارئ خلفها في اللحظات المعهودة. عن الكم الهائل من الحثالة الذين تتفاجأ بهم أثناء الكارثة، عن الكم الهائل من السوء الذي يحدث في تلك اللحظات الصعبة المفجعة و غير المألوفة. كيف أن الإنسان يظهر على حقيقته متجرداً من كل شيء، متعرياً من كل ما كان يقدره و يحمل له قدراً في قلبه.

ستجد في هذا الفيلم، كيف أن الناس يظهرون على حقيقتهم أثناء وقوع الفاجعة. تلك الكارثة الطبيعية المسمى بـِ تسونامي، كيف أن أول ما يفكر به الإنسان هو نفسه، مجرداً من كل شيء كان يحمله في قلبه و كيانه. سيغير الفيلم نظرتك تجاه صديقك/ رفيقك/ قريبك/تجاه الكل بلا استثناء. ستشعر بالريبة حول أمرهم. أحقاً أن رفيقي هذا سيذكرني في أثناء حدوث تلك الكارثة؟ هل سيلوذ بالفرار مني ناسياً رفقتنا التي دامت على مدى أعوام؟ و كل ما يدور في رأسه ليس سوى ذاته، نفسه، هو أولاً قبل الكل؟ كيف سيتعامل معي الناس حقاً أثناء حدوث تلك الكوارث الطبيعية/غير الطبيعية؟ من سيتذكرني؟ أنا أتحدث هنا عن أثناء وقوع الكوارث ليس بعدها. من منكم يقدر مدى روعته؟ هل أنت متأكدٌ ممن تكون؟ هل بإمكانك تخمين على أي هيئةٍ إنسانية ستظهر عليها في أثناء الكارثة؟ أنا لا يمكنني ذلك، و أصبحت أخاف من نفسي علي قبل أن أخاف منك علي.

 

Advertisements

One thought on “ما مدى روعتِك؟

  1. تعقيب: ما مدى روعتِك؟ “مُلحق” | خـِزانه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s