شيفرة دافنتشي / دان براون


01

كثيراً ما سمعتٌ عن هذه الرواية، مشوقة، ممتعة، عظيمة، لابد من قراءتها، و غيرها من كلمات الإطراء التي في كل مرة تزيد في ترددي لقراءتها مقداراً. غير أني قررتُ أن أقرأها بعدما قرأت روايات عربية مشابهة لها، و بالكلمة الحقيقة، منسوخة تماماً منها لحد كبير. و اليوم، حين أتممت قراءتها، قلت في نفسي: “حقاً، كان يتوجب علي أن ألبيّ صوتي” و ليتني فعلت.

شفيرة دافنتشي، وددتُ لو أن أقيمها بـِ أربع نجمات من خمس. غير أنها ليست رواية أدبية بقدر ما هي مادة علمية، وثائقية بحتة ربما.

لم يتمكن الكاتب في أن يمنح القارئ فرصة خلق المشاهد الروائية في مخيلته، فحين يقرأ القارئ الرواية، يستعصي عليه في مواضع كثيرة -إن لم تكن كل المواضع-، خلق المشهد في مخيلته و كأنما يشاهد مشهداً واقعاً أمامه. فحين يصف الكاتب شخصاً، موقفاً، مشهداً أو حتى فعلاً، لا تشعر بحقيقة ما يصف، و كأنه يقرأ على مسامعك كلماتٍ متصلة لا تخلق رؤية تامة، أو رؤية غير مكتملة حتى في مخيلة القارئ على أقل تقدير. لم يقتدر الكاتب أن يمنح القارئ شعوراً في وصفه، أياً كان ما يصف. وصفه للأفعال، الشخوص، المواقف و المشاهد كان باهتاً تماماً، لا يحمل شيئاً من الحضور قط. حيث أن وصف أمرٍ ما (مشهدٍ، شخص، حدث.. إلخ) أيسر طريقة لخلق الرؤيا في مخيلة المتلقي، إلا أن الكاتب فشل في هذه الطريقة لحد كبير.

غير أن الكاتب نجح تماماً في أن يتنحى جانباً عن روايته. فحين تقرأ شيفرة دافنشي، لا تشعر أبداً بوجود حضور الكاتب “دان براون” بين تفاصيل الرواية أياً كان شكل حضوره. فالرواية خالية تماماً عن روحه، و هذا أمرٌ جيدٌ جداً يحسب له. فقليلٌ أولئك الكتاب الذين يتنحون جانباً عن روايتهم ليمنحوا القارئ شعور حضور الرواية بشكل تام تماماً لا يغشاه حضور الكاتب بعينه.

و رغم ذلك، لم يكن ناجحاً في خلق حضور شخصيات الرواية للقارئ. فعدم تمكنه من منح القارئ إمكانية خلق المشاهد في مخيلته، لا يخوله ذلك للوقوع في خطأ تهميش حضور الشخصيات للقارئ. فحين تقرأ الرواية، لا تشعر بوجود الشخصيات اطلاًقاً في المحيط. رغم قراءتك مراراً و تكراراً للشخصيات، غير أنك لا تشعر سوى أنهم مجرد أسماء تظهر في مادة ثقافية ربما أو ما شابه ذلك. فالشخوص في الرواية ليست حية، و نادرٌ أن يتمكن كاتب من بث الروح في شخوص روايته، لكن كثيرون أولئك الذي يتمكنون من خلق شخوص الرواية، و منح كل شخص من تلك الشخوص حضوراً و كياناً و وجوداً و إن لم يكن حضورهم حياً. و لم يتمكن الكاتب من ذلك. فالرواية باهتة من الدرجة الأولى لحد كبير جداً.

 

كما ذكرت سابقاً، كانت الرواية بعيدة لحدٍ كبير عن كونها رواية أدبية. حيث أن الرواية بتسلسلها كانت مفككة لحد كبير جداً. فحين يروي الراوي “دان براون” عن حدث ما يحدث الآن، يكسر ذلك التناغم بطريقة سيئة استذكار حدثٍ وقع في وقتِ مضى. كان الربط بين الذي يحدث الآن و ذكرى حدث ما قد حدث، غير متناغمين قط. فالقارئ يشعر بالتشتت في تلك النقاط، و في لحظات العودة عن ذكرى الحدث إلى الحديث عن الحدث الذي يحدث الآن كذلك، كانت مشتتة تماماً للقارئ. فلم يكن الكاتب متمكناً بشكل يمنح الرواية تناغماً و امتزاجاً الربط بين الذي يقع الآن و الذكرى المتعلقة بالحدث للشخص الذي يقع له الحدث. فبطيعة الحال، كان يرغب الكاتب بأن يصف للقارئ أمراً ما لا بد من أن يعلمه ليتمكن من فهم أحداث الرواية، و اختار الكاتب وصف معظم تلك الأمور كأنها ذكرى تتعلق بالشخص أو الحدث الذي يحدث معه الآن. لكنه أفسد بطريقة ما تركيبة الرواية، فهو لم يُجد تلك الطريقة بشكل يمنعه من الوقوع في تشتيت القارئ أو اخلال امتزاج تناغم الرواية.

و من هذا المنطلق أيضاً، كان توقيت نهاية الفصول سيئة لحد كبير. فرغبة الكاتب لتشويق القارئ لم تكن تظهر إلى في نهاية الفصول و بطريقة سيئة. فنهاية معظم الفصول يكون الحدث الذي يحدث مهماً للقارئ من مسار الرواية استناداً على تسلسلها، و كان الكاتب يقع في خطأ انهاء الفصل في منتصف الحدث في وقت غير لائق ظناً منه أن ذلك من طرق التشويق التي تساهم في حث القارئ على استكمال القراءة، إلا أن ذلك يحث على استثارة غيض القارئ و التفكير في التوقف عن استكمال القراءة تماماً. و هذا أساء تماماً للرواية، فكانت تزيد من اختلال تناغمها في كل مرة يقع في هذا الخطأ.

و من ناحية أخرى، كانت القصة البوليسية ركيكة لحد ما، فالأحداث المتوالية فيها من الخديعة الركيكة الشيء الكثير. فكان الكاتب يعود على ذات النقطة مراراً و تكراراً و كأن الأمر معقدٌ و مثيرٌ. إلا أن الركاكة كانت واضحة للحد الذي يدعو القارئ في أن يبتسم على كل دورة يدورها مجدداً في ذات المسار برجلٍ أخرى.

 

خلاف ذلك، العظيم حقاً. كيف تمكن الكاتب من خلق كل هذه الأحداث و هذه القصة التي لا تتعدى كونها رواية، و ربطها بالواقع الذي نعيشه؛ بالأحرى، ربطها بأمورٍ ملموسة و أحداث واقعة في حياتنا. فالرواية تظهر لنا كم الجهد الذي بذله الكاتب و الدراسة التي درسها للرواية قبل أن ينتجها لنا بهذا الشكل. و لأدلي حقيقة أن هذا العمل لم أكن لأمنحه غير نجمة واحدة أو لا نجمة، إلا أن هذا الجهد المبذول في انتاج هذه الرواية، جعلني أفكر في تقدير ذلك.

يعجبني ذلك الكاتب الذي يجتهد في دراسة روايته و يتفحصها ملياً قبل أن يمكنها من أن ترى النور و تظهر للحياة. فكتابة رواية، مشروع، كمثل غيرها من المشاريع. و لأجل هذا الاجتهاد، حاولت أن أجد ثغرة، أياً كان حجمها، أو فوهة لم يتمكن الكاتب من اغلاقها، إلا أني لم أتمكن من ذلك. فما وجدت غير فوهة غير محكمة الإغلاق في أحد فصول الرواية؛ و ظهر لي من ذلك كم الجهد المبذول فيها. و أعجبتُ بهذا الجهد كثيراً، و هذا لا يدعوني أبداً لأن أمنح فرصة التوصية على قراءتها، فهي بالنسبة لي ليست رواية تقرأ كرواية أدبية. و لهذا، لا أوصي بقراءتها كأدب و إنما كمادة علمية بحتة تماماً أو ثقافية ربما.

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s