ساق البامبو / سعود السنعوسي


 

سا البامبو - سعود السنعوسي

 

حين تقرأ رواية ساق البامبو لصاحبها سعود السنعوسي و من ثم تقرأ فئران أمي حصة لسعود السنعوسي كذلك، لا يتضح لك شيئاً اطلاقاً. لكن، حين تبدأ في قراءة فئران أمي حصة أولاً و من ثم تلحقه بقراءة ساق البامبو، يتضح لك تماماً المسافة الطويلة التي تفصل بين الروايتين، و كيف أن الكاتب كان قريباً من الاكتمال الأدبي في فئران أمي حصة لحدٍ كبير جداً أكثر بكثير من ساق البامبو؛ و لهذا، تساءلت جيداً، لماذا لم تنل فئران أمي حصة ما نالته ساق البامبو من تكريماتٍ أدبية؟!

 

رواية ساق البامبو، تمكنت في طرح قضايا عدة في حقيقة الأمر، غير أن معظمها كانت غير واضحة الملامح بحدة يتمكن فيها القارئ البسيط من ملاحظتها من غير محاولة منه لذلك. إلا أن قضيتها الرئيسية، كانت عيسى –بطل الرواية- الذي ينحدر من دمين مختلفين لدولتين مختلفتين، لدمٍ لأم فليبينية الجنسية و لدمٍ لأب كويتي الجنسية؛ و خلال الرواية، تتخلل تلك القضية قضايا أخرى، تتباين في نسب وضوح ملامحها للقارئ بمستوياتٍ مختلفة كذلك حيث تعمد الكاتب ذلك كما يتضح لي. حيث أن في معظم القضايا التي طرحها، كانت تتوشح بالرموز، و لم يكن ليظهر من ملامح وجهها شيئاً يستدل فيه القارئ على هوية صاحب الوجه؛ و لهذا، كانت الرواية غير صريحة في معظم قضاياها التي طرحت فيها.

رغم هذا و ذاك، كان الكاتب جيداً جداً، في معظم الرواية، في أن يترك مساحة حرة للقارئ في تبني قضية ما من كل زواياها و ليست من زاوية الكاتب و حسب. فحين يطرح قضية ما أياً كانت درجة وضوحها، كان الكاتب لا يتواجد في حضور القضية و يفتح للقارئ كل أبواب القضية ليتمكن القارئ من تحديد الباب الذي يناسبه في تفهم القضية و تبنيها؛ فالطريقة التي كان يضع فيها الكاتب القضايا التي طرحها في الرواية أمام القارئ دون أن يدلي بحضور أفكاره و رأيه في تلك القضية، يمنح الرواية تقيماً ايجابياً جداً.

 

تلك الروايات التي لا تكون على وتيرة واحدة على خط التقييم، لا تعجبني. هذه الرواية كانت كذلك. كانت في مستويات عدة في التقييم و بنسب مختلفة للحد الذي جعلني في حيرة من نسبة معينة مناسبة لها كتقييم النهائي. حيث أن الرواية في ربعها الأول ذو نسبة عالية جداً من التقييم، كما في ربعها الأخير لحدٍ ما. غير أن الربعين المنتصفين، تتباين نسبتهما. فالمنحى البياني للرواية تقييماً، كان مرتفعاً في البداية، و ينحدر بتسلسل في الربع الثاني، إلا أن انحداره في الربع الثالث كاد حاداً جداً مما أفقد الرواية توازنها. أما عند الربع الأخير كان يرتفع تدريجياً و بشكل مفاجئٍ في العشر الأخير، كانت قد وصلت النقاط في المنحنى ما يوازي نقاط المنحى في الربع الأول من الرواية. غير أن هذا، رغم أنه كان مفاجأ، إلا أنه لم يفقد الرواية توازنها التقييمي، وهذا ما جعلني في حيرة من تقيمها النهائي بنسبة محددة منصفة للرواية كاملة.

 

في الرواية، يتضح للقارئ أن لكل مقطع من مقاطع الرواية هدف ما. حيث أن الكاتب كان جيداً جداً في ذلك في معظم المقاطع. بعضها كانت تهدف في طرح قضية ما غير واضحة الملامح، بشكل واضح ، و أخرى كان وجودها مهما لتمنح مقطعاً آخر اكتمالاً ما، تتضح أحياناً بشكل لا يشوبه ضباب و في أخرى تكون غير واضحة تماماً كتلك التي كانت في فصل “التيه الثاني”، فمعظم مقاطعها كانت غير واضح هدف ذكرها للقارئ، مما منحها وجوداً غير هادف.

 

في الروايات، قليل أولئك الكتاب الذي يتمكنون من أن تكون الرواية في درجة عالية من الحرفية إن كانت الرواية تتبع في حديثها مسار شخص واحد دون خلطها مع شخوص و أحداث أخرى في أولوية الرواية. تمكن لحد ما الكاتب من ذلك في ساق البامبو. فالرواية كانت تتبع مسار البطل عيسى، منذ بدايتها و حتى نهايتها، رغم كل الأحداث التي تتخللها، كان حضور عيسى هي من أولويات الرواية كما اتضح لي و غالباً كما كانت هي، و هذا لم يؤثر بشكل سلبي على الرواية مما كان من الممكن أن يقلل من درجة الرواية سلباً، إلا أن من شخصيات الشخوص، القليل منها، ما كان لها أثر سلبي على الرواية. يتقدم في ذلك شخصية شخص البطل –عيسى- التي كان لها الأثر السلبي الأكبر على الرواية من بين شخصيات تلك الشخوص القليلة. ببساطة، لأنه بطل الرواية، حديث الرواية و أولوية الرواية. كان أثره السلبي أعمق من شخصيات الشخوص الأخرى القليلة التي أثرت على الرواية سلباً و التي من بينها شخصية شخص ابنة خالته.

شخصية عيسى، منذ بداية الرواية، كانت بلاهاء تماماً، حتى يأتي المقطع الذي يتواجه فيه مع عمتيه في شقته في الكويت في الربع الأخير من الرواية، و بينما كانتا عمتاه يطلبان منه مغادرة الكويت فوراً، يتضح للقارئ من ردة فعل عيسى إزاء تصرف عمتيه و الطريقة التي يرد عليهما، أن ما فهمه القارئ من شخصية عيسى في سابق قراءته للرواية، لم تكن ذات الشخصية التي أراد الكاتب منذ بداية الرواية أن يوصلها للقارئ. كون أن عيسى، شخص عانا من وضعٍ يعيشه، أياً كان ذلك الوضع الذي عانا منه، لابد و أن تكون في شخصيته شيءٌ من الإدراك و الفهم الداخلي الخائف على أقل تقدير، أكثر من أي شخصية لم تعاني، و الذي يتضح ذلك في العشر الأخير من الرواية. لكن الكاتب فشل في إيصال ذلك للقارئ من شخصية عيسى منذ بداية الرواية وصولاً إلى المقطع المذكور أنفاً، و كأنما شخصية عيسى تحورت فجأة. فعيسى في الرواية منذ البداية، من تصرفاته و ردات فعله و كل ما يتعلق به، توصل للقارئ شخصية بلهاء تماماً تتمثل في عيسى، و كأنما هو كائنٌ آلي لا حياة تدب فيه، و هذا كان له الأثر السلبي الكاف الذي أمكنه من أن يمنح الرواية نقاطاً سلبية كثيرة في تقييمها. بخلاف شخصية شخص جد عيسى لأمه، التي كانت واضحة و منطقية في تصرفاته و الأسباب التي أدت إلى تلك التصرفات.

رغم ذلك، كان الكاتب جيداً في معظم الشخوص. حيث أنه كان متمكناً من أن يضع نفسه في موضع معظم تلك الشخصيات و يتحدث على لسانهم و يكتب لنا كراوي عن تصرفاتهم من منظور شخصياتهم دون أن يترك في ذلك أثره من شخصيته هو بذاته الكاتب سعود السنعوسي. فمعظم الشخصيات لا تشوبها اطلاقاً أي شائبة تنتمي لشخصية شخص الكاتب ذاته، و هذا ما يمنح الرواية الدرجة العالية من الكفاءة في خلق شخصياتٍ حقيقة و منطقية لشخوص الرواية.

غير أن الكتاب في ساق البامبو كان، بعكس روايته في فئران أمي حصة، غير متمكنٍ من بث روحٍ و حضورٍ للشخوص. فغالب الشخوص في الرواية لا تحمل حضوراً رغم منطقية شخصياتها، و لا يتمكن القارئ من أن يشعر بوجودهم و كأنهم عابرون بحروف أسماءهم لا في حضورهم. حيث أن الوصف أو الطريقة التي كان يصف فيها الكاتب لم تكن تمكنه من أن يوصل للقارئ وجود الشخوص و الأشياء الأخرى أيضاً من ملموسات حضوراً كافياً يقتدر فيه القارئ من خلق الرؤية في مخيلته. فالوصف كان لا يمنح حساً، و لا شعوراً في معظم الرواية بخلاف روايته فئران أمي حصة، و هذا ما جعل من بعض الأجزاء غير واضحة المعالم، حيث أنها كانت تظهر لبعض القراء وكأنها بلا هدف و لعل عدم كتابة ذلك الجزء أفضل بكثير من كتابته و حشره في الرواية بلا هدف كما اتضح لبعض القراء.

مع هذا كله، كان الربع الأول قادراً من أن يعيد للرواية توازنها، و العشر الأخير من الرواية أيضاً. فطريقة السرد على لسانين مختلفين، كذلك طريقة وصف سير الأحداث في مراحل زمنية متداخلة بتناغم كبير، في الربع الأول من الرواية. أيضاً تمكن الكاتب من بث روحٍ و حضورٍ شبه تام لشخص عيسى، بخلاف حضوره الشبه باهت في الأجزاء الأخرى من الرواية، في العشر الأخير من الرواية،  كانتا كفيلتين بإعادة توازن الرواية تقييماً ايجابياً.

 

أسلوب الرواية، فكرته، طريقة جعل الرواية رواية كتبها بطل الرواية و ترجمها صديقه، و جعل مقدمة الرواية مبتدئة بإضافة كلمة المترجم، تمنح الرواية تقييماً ايجابياً بشكل كبير. ففكرة الرواية غير تقليدية، و مبتكرة لحد ما من هذا المنطلق. رغم ذلك، كانت إضافة كلمة المترجم في مقدمة الرواية مربكة لحد ما للقارئ، نافثة في رأسه العديد من التساؤلات التي لا يجد إجابة لها إلى حين يكمل قراءة الرواية حتى نهايتها و يتمها، و هذا ما جعلني أمنح تقييماً جيداً للرواية بشكل نهائي، فأسلوب تحفيزٍ كهذا و حثٍ على إتمام قراءة الرواية بشكل غير صريح، لم يسبق لي و أن رأيته. أعجبني هذا الأسلوب و كان كفيلاً بأن ينصفني في حيرتي في التقييم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s