الآراء و المعتقدات / غوستاف لوبون


الآراء و المعتقدات

 

 

 

 

 

 

 

 

بداية، قرأت الكتاب لأن صديقاً طلب مني قراءته لأجله؛ و حين بدأت القراءة، بدأت تتزايد لي عدم الرغبة في اكمال قراءته شيئاً فشيئاً حتى وصلت لآخر حرفٍ من الكتاب و أنا أقرأ من غير رغبة و بتعمق في القراءة التي لا أدري حتى الآن، كيف اجتمع الأمران في نفسي في ذات الوقت.

لذلك، سأبدأ في بعضٍ من قراءتي لا تقييماً للكتاب، و إنما حوارٌ مع ما جاء الكاتب غوستاف لوبون به في كتابه الآراء و المعتقدات. و سألحق في نهاية القراءة بتقييمي للكتاب و الأسباب التي دعتني لذلك التقييم.

في الفصل الأول: دائرة المعتقد و دائرة المعرفة، من الباب الأول: المعتقد و المعرفة. يقول غوستاف لوبون: “يخلطون المعتقد أحيانًا بالمعرفة على ما بينهما من اختلاف كبير؛ فالعلم والاعتقاد أمران مختلفان في تكوينهما ومصدرهما، وبالرأي والمعتقد يتم سيرنا، وعنهما تنشأ أكثر حوادث التاريخ، ولا فرق بينهما وبين الحادثات الأخرى من حيث كونهما تابعين لنواميس، وإن كانت هذه النواميس لم تعين حتى الآن.”

بحيث يعرف كلا من المعتقد و المعرفة على أن المعتقد “هو إيمان ناشئ عن مصدر لا شعوري يُكره الإنسان على تصديق فكر، أو رأي، أو تأويل، أو مذهب جزافًا، وسوف نرى أن العقل غريب عن تكوين المعتقد، ولا يأخذ العقل في تبرير المعتقد إلا بعد أن يتم تكوينه.

يجب أن نصف بالمعتقد كل ما هو من عمل الإيمان، ومتى استعان المرء في تحقيق صحة المعتقد بالتأمل والتجربة لا يظل المعتقد معتقدًا بل يصبح معرفة، فالمعتقد والمعرفة أمران نفسيان يختلفان من حيث المصدر اختلافًا تامًا؛ إذ المعتقد كناية عن إلهام لا شعوري ناشئ عن علل بعيدة من إرادتنا، والمعرفة عبارة عن اقتباس شعوري عقلي قائم على الاختبار والتأمل.

المعرفة هي عنصر الحضارة الأساسي، وهي العامل الكبير في ارتقائها المادي، وأما المعتقد فهو الذي يرسم وجهة الأفكار، ومن ثم وجهة السير.” انتهى.

لكن حواراً، أليس المعتقد حكم لا يقبل الشك عند صاحبه. على أن اعتقاد شيء ما هو الإيمان به. و الإيمان بشيء ما لا يؤكد أن ذلك الشيء مقدس أياً يكن. و المعرفة تعني علم شيء ما و ادراك ذلك الشيء على ماهيته. و من هنا يتضح أن المعتقد ينشأ بعد المعرفة، إذ أن من الاستحالة أن ينشأ معتقدٌ عند أحد ما من غير معرفة. بخلاف المعرفة التي تنشأ من غير اعتقاد، و لا علاقة بنشأتها بالاعتقاد إطلاقاً إلا في ندرة. و على ذلك، يتبين لنا أن الاعتقاد و المعرفة لا يختلفان و حسب، و إنما أحدها ينشأ منه الآخر. و ليسا أمران مختلفان متعاكسان. فأحدهما لا يوجد من غير تواجد الآخر. إذ أن كلا المعرفة و الاعتقاد على صلة أياً كانت تلك الصلة.

الفكرة ببساطة هي، أن المرء منا يعرف أمراً ما، يدركه. و يعرف آخر، و الكثير من الأمور التي لا يشترط أن تكون بينهما علاقة، و لا خلاف إن كان بين بعضها علاقة. حيث أن عقل ذلك الشخص الذي يعرف أموراً عدة، يخزن تلك الأمور كل على حدة من غير أن يفتعل المرء ذلك. و من هنا يتشكل روابط جديدة بين تلك الأمور غير تلك الروابط التي أنشأها المرء بنفسه حين أدرك أمراً ما من بين تلك الأمور. فبالنتيجة، كل تلك الروابط التي تتشكل من تصرف العقل، تنشأ معلومات جديدة، معظمها غير مكتملة. و المكتملة منها تظهر لعقل الإنسان فيدركه و يتفاجأ منذ متى هو يعرف ذلك الشيء؟ و الحقيقة أن عقله فعل ذلك. ففي موقف ما، في زمن ما، حين يتعرض المرء لموقف ما، يتفاجأ من نفسه كيف له أن علم بذلك التصرف الذي تصرفه، و الحقيقة أن ذلك التصرف كان مدركاً أي معروفاً في عقله من تلك الروابط التي أنشأها العقل مسبقاً دون أن يدرك المرء ذلك لأنه لم يسبق و أن احتاج لذلك الأمر المتشكل من الروابط التي نشأت من الأمور المعروفة لدى المرء مسبقاً. فبالنتيجة، هذه الروابط التي تتشكل بشكل مستمر دون ادراك المرء منها، في كثير من المرات، تنحدر تحت الجزء اللا شعوري من الإنسان؛ في حين أحياناً تصل لحد الاعتقاد و الإيمان بها!  

من هذا المنطلق، تجد أحياناً أناساً يؤمنون بأمورٍ من اختلاقهم، و ليس شرطاً أن يكون ذلك الأمر مقدساً. فبعضناً يقدس هدفاً اختلقه لنفسه حد العبادة. و آخر يقدس ديناً، و ثالث يقدس اعتقاداً اشتراكياً، شيوعياً… إلخ، يؤمنون به اعتقاداً عميقاً.

يقول غوستاف لوبون: “احتياج الإنسان الى الإعتقاد هو عنصر نفسي مسيطر كاللذة و الألم.” انتهى.

هذا صحيح، فالإنسان يحتاج إلى الإعتقاد في حياته، غير أن التشبيه باللذة و الألم غير صحيح. لكن الإعتقاد عنصر أساس لدى الإنسان. أياً كان هذا الاعتقاد، و أياً يكن هذا الإنسان و أياً كان سعة إدراكه و معرفته.

أود أن أبين فكرة اللا شعور و الشعور التي تحدث عنها غوستاف لوبون في الكتاب. إذ أن حقيقة الأمر هي أن اللا شعور فكرة خاطئة تماماً. فالجزء المسمى اللا شعور من عقل الإنسان و الذي سبق و استخدمتُ هذا المصطلح، غير صحيح. الفكرة الحقيقة، هي أن الشعور العقلي و العاطفي لدى الأنسان و الحيوي أحياناً، يختلف من شخص لآخر. فبعض الناس يشعر بتفاصيل الأمور عقلي و عاطفياً و حيوياً، لدرجة عميقة جداً. و آخرون لا يصلون لتلك الدرجة من الشعور حيث يتبين لغيرهم أن هؤلاء الذي لا يشعرون بالأمور عقلياً و عاطفياً و حيوياً لدرجة عميقة، و كأنهم لديهم جزء لا شعوري عقلي و لا شعوري عاطفياً و اللا شعوري الحيوي الذي يصنف مرضاً. حيث أن هؤلاء هم النسبة الأكبر من الناس، قام المصطلح اللا شعوري على أساسهم، متناسياً القلة القليلة من الناس الذين يشعرون بعمق التفاصيل العميقة من الأمور لدرجة مذهلة! لذلك، فكرة اللا شعور فكرة غير صحيحة، و إنما درجات الشعور العاطفي و العقلي تختلف بين الناس بشكل متفاوت كبيرٍ جداً. حيث أن كل الناس يشعرون بكل شيء عاطفياً و عقلياً، سواءًا أدركوا ذلك، أم لم يدركوا. و ما لم يدركوه من شعورهم بشيء، لا يعني حتماً أنهم لم يشعروا به. و قد نصنفه مرضاً كاللا شعور الحيوي!

في الباب الثاني: ميدان الآراء و المعتقدات النفسي، في الفصل الاول منه: عوامل الحركة اللذة و الألم. يقول غوستاف لوبون: “اللذة والألم هما لسان الحياة المادية والمعنوية، وعنوان الكدر والصفاء في الأعضاء، وبهما ترغم الطبيعة الحيوان على الإتيان بأعمال يستحيل الوجود بدونها، وعليه فإن اللذة والألم دليلان على حال معنوية باطنية — أي معلولات لعلل — كما أن الأعراض نتيجة لمرض. و من الشعور باللذة و الألم تتكون قوة الإحساس، و من هذه القوة تشتق حياة الإنسان المادية و المعنوية، و يكون لسان الأعضاء المعبر عنه باللذة و الألم متجبرًا بنسبة ما يقتضي من الحاجات، ومن هذه الحاجات ما هو قاهر غير ممهل كالجوع مثلًا. الجوع هو أشد الآلام هَولًا، والحب هو أكثر اللذات تغلبًا، و قد نقول كما قال الشاعر الكبير  شيلر: «إن قوام العالم هو الجوع والحب». و أما أنواع اللذة و الألم الأخرى فهي، عوامل أقل سطوة وشدة، ولذلك أخطأ (شوبنهاور) حيث قال: «إنه يمكن إرجاع جميع العوامل التي تحرك الإنسان إلى ثلاث: الأثرة، والخبث، والرحمة».” انتهى.

على ذلك أقول، وجودة فكرة الحد الأعلى و الحد الأدنى و اللذان ذكرهما غوستاف لوبون بالألم و اللذة؛ فكرة غير صائبة تماماً. فالناس ليسوا سواسية. فالحد الأعلى لأحدٍ ليس كما الحد الأعلى للآخر و الحد الأدنى كذلك. فالناس يختلفون في الشعور المعنوي و المادي، العقلي و العاطفي، الحيوي. فما يكون لأحدهم ألماً، قد يشكل للآخر لذة ما، و ما يشكل للآخر لذة، قد يكون ألماً مبرحاً لآخر. و هذا لا ينافي فكرة الحدود، و إنما ينافي فكرة أن الحدان هما اللذة و الألم. فمن الناس من له من الشعور ما يتفوق على اللذة لديه. و هنالك من يكون عنه الحد الأدنى شعور العجز بدلاً عن الألم؛ و من ذلك يتضح لنا أن الحدان ليسا الألم و اللذة بشكل مطلقٍ مطبقاً على كل الناس! و هذا الجنون بعينه. غير ذلك، فكرة الحدود ليس صائبة، فالمادة و الحس، العقل و العاطفة، الحيوي، دوائر تتداخل في نقاط كثيرة، للحد الذي يصعب فيه أحياناً الفصل بينهم لدى أحدهم. و لذلك، كيف لنا أن نضح حدٍ لدائرة؟ تحت أي منطلق هذا؟ و إن يكن، ماذا عن النقاط التي تتلاقى فيها تلك الدائرات الثلاث اللاتي تحمل في داخلهم دوائر عدة أيضاً؟ الأمر معقد جداً بشدة. و لا يمكن أن يكون الحديث عنه بهذه البساطة، التفاهة، اللا قيمة التي تحدث عنها غوستاف لوبون.

في ذات الباب و الفصل يقول غوستاف لوبون: “أن العادة هي ناظمة اللذة والألم” وَ “أن العادة هي التي تملي علينا كل يوم ما يجب أن نقوله ونفعله ونفكر فيه.” انتهى.

هذا الكلام مرفوض تماماً. حيث أن لا أحد تماماً، يمارس العادة رغبة منه أو إرادة منه في ممارستها. إن أن ممارسة العادة في الحياة شكل من أشكال الهروب ليس إلا، و من يمارسها يُمارسها لأسباب كثيرة منها رغبة إما في عدم التفكير، عدم معارضة أمرٍ ما، عدم رغبة في خوض شيء ما و غيرها من الأسباب الكثيرة التي لا تندرج تحت الرغبة و إرادة ممارستها اطلاقاً.

في الفصل الثالث: دوائر الحركات الحيوية و النفسية، من الباب السابق المذكور آنفاً. قال غوستاف لوبون: “المشاعر لا تنفذ دائرة الشعور إلا بعد أن تنضج في منطقة اللاشعور نضجًا آليًا” انتهى.

العكس هو الصحيح، فالمشاعر تشعرُ أولاً سواء أدرك المرء ذلك أم لا، ثم مع الزمن تحفظ في ذاكرة المشاعر “الذاكرة العاطفية” التي اتفق العالم على تسميتها منطق اللا شعور. و ليس الصحيح في المشاعر أن تنضج في اللا شعور ثم تنفذ في منطقة الشعور للشعور بها. إذ أني أتساءل ساخرة، تنضج المشاعر آلياً في اللا شعور؟ آلياً! بذلك يكون المرء منها آلة لتكوين المشاعر بلا علة و بلا سبب ثم الشعور بها لعلة و سبب ما. و هذه الفكرة تجعلني أصمت بابتسامة ساخرة عظيمة دون ايضاحٍ معمق.

و في الفصل الرابع : الذات العاطفة و الذات العاقلة من ذات الباب، ذكر غوستاف لوبن أن العاطفة “المشاعر” تنتقل بالعدوى كالأمراض بخلاف العقل الذي لا ينتقل.

غير أن الحقيقة أن العقل أيضاً كاالحيوية و العاطفة، تنتقل بالعدوى لكن سرعة الانتقال و الإصابة بها تختلف بين الثلاث. فعدوى العقل أقلهم سرعة و الذي بالكاد يدرك.

و في الباب السادس: انحلال الخلق و تقلبات الذات، من ذات الباب السابق يقول غوستاف لوبون: “لا يدعينَّ أحد أنه يعرف ذاتًا غير متقبلة أو لا تؤثر فيها الأحوال، وإنما الذي يمكنه أن يقوله هو أن الأحوال إذا لم تتغير فإن سير الشخص الذي اختبره لا يتغير أبدًا” انتهى.

و الحقيقة أن الإنسان يتغير في كل عناصره الحيوية و العاطفية و العقلية، حتى و إن كان في بيئة ذو أحوال ثابتة، إنما كونه في بيئة ذو أحوال ثابتة، تحد من تمييز ذلك التغير سواء كان حيوياً، عاطفياً أم عقلياً.

 

مع كل ذلك، إلى هنا أتوقف عن الحوار الذي طال كثيراً و الذي كنت أجريه مع غوستاف لوبون في كتابه. إذ أن كل الفصول القادمة بعد الباب الثاني، خرجت عن المسار الذي كان قد هدف إليه في تأليف هذا الكتاب و الذي قال بنفسه في الكتاب أن: “غاية هذا الكتاب هي البحث عن تكوين الآراء والمعتقدات” انتهى.

إذ أني لم أجد هذه الغاية في الكتاب و هو السبب الرئيسي الذي داعني إلا تقييم الكتاب سلبياً. و لسببين آخرين مضافين للسب آنف الذكر أيضاً:

  1. الأفكار لم تكن متصلة فيما يرغب الكاتب قوله، إن أن الكاتب حين يرغب في قول شيء ما أياً يكن موقفي تجاهه كقارئ، تعترضه فكرة أخرى و يتعمق فيها أو يتحدث عنها و ينسى أن يعود للفكرة الأساسية التي قد ابتدأ التحدث عنها قبل أن تتخلله تلك الفكرة.

  2. العنوان، فكرة الكتاب، و كل الدراسة التي تحمله الكتاب لا صلة بينها اطلاقاً. إذ أن الكتاب في ماهيتها لم تصل إلى غايتها كما ذكرت آنفاً. غير أن الكتاب في ماهيتها أيضاً كانت نقداً لكتبٍ، أقوالٍ، آراءٍ، و أشياءٍ أخرى دون أن تنشأ كياناً لها بذاتها. و هنا ضاع قيمة الكتاب أياً كانت الأفكار التي تحملها.

لهذه الأسباب الثلاث، كان تقييمي للكتاب نجمتان من خمس. و لأني لا أرغب في احباط القراء لا بالأفكار التي تحتويه الكتاب و لا في قيمة الكتاب. لا أنصح مطلقاً بقراءته إلا إن كنت ستقرأه من منطلق التحاور لا البحث عن شيء ما لا تعرفه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s