بالأبيض على الاسود / روبين ديفيد غونساليس غاليغو


بالأبيض على الاسود – روبين ديفيد غونساليس غاليغو

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اقتنيتُ هذه الرواية “بالأبيض على الأسود”، على أنها رواية، و كذلك، لم تكن. ما جعلني محبطة بعد القراءة. لأني لم أكن أعلم و أنا أقرأ أنها ليست رواية، بالرغم من أن هذا كان قد اتضح لي أثناء ما كنت أقرأ. غير أنه كان مجرد اتضاح أو تخمين من طرفي، لم ألقي له بالاً. لكن، حينما أنهيت القراءة و أتممتها، علمتُ بكل تأكيد أن هذه ليست رواية، و إنما مذكرات إن صح التعبير. مذكرات للكاتب، عن حياته، كيف عاشها، كيف وصل إلى ما وصل إليه من كتابة هذه رواية. على هذا، فإن هذا الكتاب يصنف ضمن السير الذاتية، لا ضمن الروايات، و كون أني لا أحب قراءة السير الذاتية إلا ما ندر. كنت في احباط شديد حين قرأته و أثناء ما كنت أنا أقرأ فيه كذلك.

 

لنعتبر أولاً أن هذه رواية كما و قد صنفت، و على هذا الأساس سأتحدث عنها. إذ أني لن أخفيكُم أني لا أحب قراءة الروايات التي تكون على لسان البطل. ليس لأنها سهلة أثناء الكتابة و لأن لا شأن لي بهذا و أنا أقرأ. إنما، غالباً ما تكون خالية من الحقيقة العاطفية. أعني بذلك، أن البطل حين يقص على قراءهُ يقص و كأنما هو الكاتب وحسب؛ و نادر هم أولئك الكتّاب الذين يجيدون عكس ذلك.

هذه الرواية “بالأبيض على الأسود” أيضاً، كانت كذلك. فالبطل كان يتحدث و كأنما هو الكاتب وحسب؛ لا شيء آخر. لكن الحقيقة المرة بالنسبة إلي، التي اكتشفتها عندما أنهيتُ قراءة الرواية على وجه التأكيد؛ أن الكاتب فعلاً هو البطل، و البطل لم يكن و كأنه الكاتب، إنما البطل كان فعلاً الكاتب بحد ذاته. إذ أن الكتاب كان سيرة الكاتب الذاتية و حياته كيف عاشها؛ و هذا بالتحديد، ما جعلني أشعر بالإحباط مع هذه الرواية التي في الحقيقة ما كانت إلا سيرة ذاتية على هيئة مذكرات، صنفتْ و كأنها رواية.

 

بعيداً عن كل هذا، ما إن كنتُ سأقيمها كما صنفتْ، رواية. فلن يكون تقييمها لدي أكثر من ثلاث نقاط من خمس. لماذا؟ لأسباب كثيرة و لا يتضمن ذلك الإحباط الذي شعرت به أثناء و بعد قراءتي لها.

 

في البداية كان الكاتب يتحدث على أنه لم يكن ليختار أن يكون عظيماً لو كانت الخيارات أمامه متاحة، و إنما الحياة هي من التي أجبرته على أن يكون عظيماً؛ بشكل مبطن لا صراحة فيها على لسان البطل الذي هو ذاته الكاتب. لهذا، كانت بداية الرواية لا تحفز مطلقاً على متابعة قراءتها حتى النهاية. غير أن تدرج الكاتب في وصفه الألم الذي قد عاشه في حياته في حديثه في الرواية، تجبر القارئ على أن يتوقف قليلاً ليتأكد، تراه ما الذي يقرأ؟

فحين يقرأ القارئ الرواية، يشعر و كأنما يقرأ رواية لبطل سيتحدث عن كيف أصبح بطلاً؛ و هذه البداية فقط. لكن، حين يصل القارئ في قراءته إلى منتصف الرواية أو ما يقارب المنتصف، ينتبه لما يتحدث عنه الكاتب. عن كم الألم و الأسى و الوجع الذي يتحدث عنه الكاتب و كأنه يتحدث عن نزهة ما، عن رحلة ما، عن شيء عابر وحسب.

لا أظن أن هذه هي المشاعر التي سيشعر بها القارئ لو أنه قرأها بلغتها الأصلية، أعني الرواية، لو أن قرأها باللغة التي كتبت به، في الأصل، الروسية. كون أني و أنا أقرأ، و أي قارئ آخر، لوجد سوء الترجمة للرواية. فالترجمة كانت لحد ما سيئة، و لا تساعد على إحضار العواطف التي كانت الرواية تحملها للقارئ باللغة المترجمة إليها. فعند القراءة، نجد الكم الكبير من الكلمات المكررة في الاستخدام، و أكثرها كانت، “كان” بكل الأشكال التي من الممكن أن تظهر فيه؛ التي تسيء للرواية. الأكيد أن هذا عيبٌ في الترجمة لا في أصل الكتاب. يتبين لي هذا من النظر الممعن للرواية منذ بدايتها، حتى نهايتها؛ كيف تسلسلت، تداخلت، صنفت و رتبت، كان واضحاً جداً أن الكاتب جيدٌ في الكتابة، لحد كبير يبعده عن تكرار استخدام الكلمات عندما كان يكتب، و ليس شرطاً أن يكون أديباً في ذلك. كان واضحاً تماماً من العمل أن الكاتب قادر على أن يظهِر العمل بلا تكرار في استخدام الكلمات، مما يجعل الأكيد أن العيب في الترجمة لا في الكتاب في أصله.

 

في الرواية، كان الكاتب جيداً جداً، في تصنيف و ترتيب الرواية رغم أن الكتاب تحت السير الذاتية تصنيفاً؛ إلا أنه كان جيداً جداً. كيف كان يتحدث عن الألم و الأسى استناداً على مقاييسه هو لا على مقاييس العالم. لهذا، كان القارئ يشعر بالأسى تجاه ما يقرأ. فالكاتب كان يتحدث عن السيء في نظرنا و كأنه أمر عادي عابر في نظره. كانت المقاييس بين الكاتب و القارئ مختلفة تماماً، للحد الذي يسمح فيه الكاتب للقارئ فرصة تجربة ما قد عاشه من منظوره هو لا من منظور العالم و كيف يرونه ذلك الذي قد عاشه؛ و هذا بحد ذاته كفيلٌ بأن يمنح الكتاب تقييماً ايجابياً.

 

الحقيقة، أن هذا الكتاب موجع، عند القراءة و عند الاقتناء. بشكل عام، كل الأدب الروسي مؤلم، و تطغى عليه الأسى و الحزن العمق بشكل مأهول؛ بالرغم من أن معظم روايات الأدب الروسي قصة حقيقية، إلا أنها دامية للقلب على الدوام.

بغض النظر عن كل هذا، قد كُتِب على غلاف الرواية من الخلف “أن القارئ قد يشعر و هو يقرأ بالتنفيس، -تنفيس الكاتب عن ما عاشه في الرواية- بغض النظر عن العتمة و سواد العالم المحيط ببطل الرواية”. هذا لحد ما صحيح، إلا أن في حقيقة الأمر، الكاتب لم يكن يُنفِس. كان به شيء من القوة فيما كتب و كأنه يقول: هأنذا قد تغلبتُ على ما قد يصعبُ عليك، أرني ما تستطيع فعله في حياتك!

رغم أن رأي القراء كان بأن الكتاب يدعو إلى الحياة و الأمل و التفاؤل على الرغم من كثرة صفحات الحزن و الرعب فيها، و المآسي التي تزخر بها الحياة و التي تدل على قسوتها؛ كما كتبت في غلاف الكتاب من الخلف، إلا أني لا أرى ذلك. فالكتاب لم يكن يدعو للتفاؤل و لا الأمل و لا إلى شيء قط، كان في الكتاب شيء من التحدي و القوة. شيء من الرضا و الانتصار، و قليل من الألم، و كأنه يقول بأن الحياة اختارت له أن يكون بطلاً، و الحقيقة أنه لم يكن بطلاً سوى لنفسه وحسب، قبل كل شيء. كانت الرواية تدعو إلى العيش فحسب، إلى ممارسة العيش و البقاء على قيد الحياة مهما بلغت فيك الأشياء مبلغاً عظيماً. كن على قيد الحياة، و ظل ممارساً للعيش مهما يكن. كذلك كانت رسالة الكاتب المبطنة كما تبين لي.

 

لذا، أيها القراء. حين تقرأون هذه الرواية، كنوا على استعدادٍ تمامٍ لها. فهي بشكل كبير مؤلمة، موجعة، و بها من الأسى ما هو كفيل بأن يدمي قلبك حد النحيب. لكن، استمتعوا بها و تعلموا كيف تمارسون العيش و تظلون على قيد الحياة على الدوام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s