فئران أمي حصة / سعود السنعوسي


فئرا أمي حصة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*أنا التاريخ كله، و أحذركم من الآن: “الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون!” فؤادة. 

عندما أتحدث عن “فئران أمي حصة”، و حين أفكر في هذه الرواية، فلا يسعني إلا أن أقول أنها من أجمل و أعظم الروايات التي قرأتها حتى هذه اللحظة؛ هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه القراءة.

لا أدري كيف تمكن الكاتب و هو بهذا العمق الأدبي و الخبرة الروائية التي أجدها قليلة مقابل ما تمكن منه في هذه الرواية؛ فلا أدري حقاً، كيف تمكن من أن يبلغ هذا المبلغ الكبير من الجمال الأدبي و الذي لم يعكر صفو الجمال الروائي في ذات الوقت.

فالكتَاب، معظم الروائيين، لا يجيدون هذا الائتلاف بين الروائية و الأدبية فيما ينتجونه من الروايات. فتجد الكاتب في روايته ما إن بلغ مبلغاً جيداً من الجمال الأدبي، فهو بشكل لا يتنبه إليه يسيء إلى الجزء الروائي من روايته. و العكس كذلك، فالكتاب، معظمهم، في رواياتهم حين يدمجون بين هاتين الصفتين، و يعتلي شأن الروائي على الأدبي، يفتقد الجانب الأدبي من رواياتهم المذاق الجيد و لربما يكون مراً مما لا يمنح القارئ فرصة اكمال قراءة الرواية رغم عظمتها الروائية.

لكن، هنا، حين أتحدث عن “فئران أمي حصة” لكاتبها، سعود السنعوسي، فأنا أتحدث عن عمل و انتاجٍ عظيم، ائتلف فيها بشكل فذ جميل الجانب الأدبي و الروائي معاً. دونما أن يعكر أحدهما صفو الآخر، و دونما أن يسيء أحدهما في حضوره لغياب الآخر حتى!

 

لا يسعى قول شيء عن هذه الرواية إلا أنها جميلة! ماذا! جميلة؟ هذا غير صحيح. حتماً هذا غير صحيح. هذه الرواية انتاج كبير. مشروع عظيم، إرث نفيس. إرث أهداه الكاتب “سعود السنعوسي” للمكتبات العربية، و غير العربية كذلك. لا بد من أن تنال هذه الرواية حقها في بلوغ قيمتها الحقيقة. إنما هي إرث، و علينا بكل تأكيد الحفاظ عليها. علينا حتماً الحفاظ على هذا الإرث مئات السنين، بل آلافاً من السنين القادمة ما لم نحافظ عليها ملايين السنين كما أتمنى.

 

ما إن أتحدث عن الجانب الروائي للرواية، فالكاتب بلغ فيها مبلغاً عظيماً حقاً. كيف صنع الشخوص، و كيف كان يبث فيهم حضوراً و روحاً يمنح فيها القارئ فرصة الشعور بوجودهم و كأنه سبق و أن التقى بهم في حياته لا و كأنهم شخوصٌ على ورق وحسب. ناهيك عن الحبكة الروائية الفذة التي اجتهد الكاتب في صنعها.

فقد تمكن الكاتب من أن يجعل القارئ يشعر بكل ما اعترى الشخوص من مشاعر، و أن يحدثهم بعواطفه و يحاورهم في رأسه بمشاعره. فالكاتب تمكن بشكل بليغ احضار عواطف الشخوص في حضورهم لدى القارئ. بشكل يجعل القارئ حتماً يتساءل ما إن فعلاً هل قد سبق له و أن التقى بهم أو صادفهم أو حتى سمع عنهم في حياته ذات مرة؟ فكمية الحقيقة في العواطف بعيداً عن كمية الحقيقة في الحبكة التي لا يسعني إلا الإشارة إلى تمكن الكاتب منها بشكل فذ، كانت تمنح القارئ حضوراً عاطفياً لدى شخوص الكاتب. فلا يشعر القارئ و لو للحظة أنه دخيلٌ على حياة الرواية بينما يقرأ. و ما إن يبلغ الكاتب هذا المبلغ من جعل القارئ يغوص في الرواية، فهو حتماً كاتب متمكن أيمّا مكنة!

 

بعيداً عن الروائية في الرواية، فمن ناحية المعالجة في طرح القضايا، كان الكاتب يمنح القارئ فرصة استكشاف الأمور من غير أن يكشف له شيئاً، و من غير أن يعرض له ذلك حتى كما يتبين للقارئ. إلا أن الكاتب كان يعرض الكثير بل العديد من القضايا في هذه الرواية، التي تبدو للمعظم و كأنها طرحت شأنا ًو قضية واحدة ليس إلا.

و في هذا الصدد، فالكاتب كان جيداً جداً بل ممتازاً جداً في كيفية جعل الأمور تظهر على هيئة لا تبدو عليه. مانحاً بذلك فرصة للقارئ من أن يتمكن من اكتشاف كل شيء دسه الكاتب في روايته، بنفسه. كأنما الكاتب يقول بتصرفه هذا: إن على المرء أن يجتهد في معرفة ما يظهر أمامه، فلن يعرفه و إن أُوضِح له ذلك آلافاً من المرات ما لم يجتهد في ذلك بنفسه. و هذا جد صحيح. فالرواية لم يكن فيها الكاتب يظهر الأمور كما تبدو عليه لأي قارئ وحسب، و إنما كان يتطلب كل شيء جهداً من قبل القارئ ليصل إلى ما أراد الكاتب أن يبلغه و يعلمه من خلال روايته هذه، فئران أمي حصة.

 

لهذا، فإن هذه الرواية، من الروايات التي لا يصُح قراءتها في أي وقت و لا في أية حالة. تحتاج إلى حضورٍ ناضج، و فكر مستعد لتلقيها. هذه الرواية دسمة، ثقيلة، بل بها من القنابل الموقوتة الكثير المهيب. كما و على القارئ أن يكون حتماً جاهزاً لما سيجده من أمورٍ في هذه الرواية. و حين أقول على القارئ، فأنا هنا لا أتحدث عن أي قارئ. فأي قارئ سيجد الرواية مملة، مضجرة، لا تحكي و لا تروي سوى حياة أصدقاءٍ من مختلف الطوائف ذات الدين الواحد. لكن، ذلك القارئ العميق، القارئ الجيد، القارئ المتمكن من القراءة. المتمكن من قراءة السطور و ما بينها من سطور خفية و دلالات، هو  حتماً الذي سيجد ما لهذه الرواية من قيمة بليغة. هو حتماً الذي سيعلم أن إرثاً ما يقع بين يديه الآن بينما يقرأ.

 

إن الكاتب في هذه الرواية كان يطرح بشكل بديهي قضية ما، و هو الأمر الأول و الأخير الذي سيظهر لأي قارئ. لكن، أولئك القراء الجديرون بقراءة هذه الرواية، سيجدون كيف تمكن الكاتب بشكل فذ طرح فكرة بأفكارٍ عدة كثيرة. و كأن الأمر أشبه بفقاعة كبيرة بداخلها الكثير من الفقاقيع الصغيرة، و لن يتراءى لأي رائي تلك الفقاقيع الصغيرة ما لم يرى الكبيرة بكل ما تصنعه من حضور.

و على هذا، فأنا متأكدة من أن أي قارئ سيجد أن الرواية تتحدث عن الكويت، عن الطوائف، عن الأصدقاء و لا شيء آخر سوى ذلك. إلا أن هذا غير صحيح. فالرواية مبطنة بأمور كثيرة تجعلني أقول من غير أدنى شك و تردد أن هذه الرواية لا بد من أن تكون عالمية. ترى لماذا و هي التي اقتصرت فيما طرحته شأن الكويت وحسب؟ لأن هذا غير صحيح بتات البتة، و ما هذا إلا ما سيتبين لأي قارئ غير جدير بقراءتها وحسب.

 

بينما الحقيقة، أن هذه الرواية طرحت أمراً عالمياً ينطبق في كل بلد و كل مكان و في الأرض كله. و هو ما لا يتبين لأي قارئ يكون. لأن الرواية دسمة، و لأن الرواية ثقيلة. لأن الرواية درسٌ مؤلم. و الأهم من هذا كله، لأن الرواية، تحذير. تحذير بليغ دامي. و الذي يجدر بنا الإنصات إلى هذا التحذير جيداً قبل أن تدمى قلوبنا مما تحذرنا الرواية منه و الذي يجوب العالم كله لا الكويت وحسب. بأشكال عدة، بطرق مختلفة، و بأنماطٍ غير متشابهة. لهذا، فإن هذه الرواية عالمية، لا بد من أن تكون كذلك من غير جدال.

 

بعيداً عن كل هذا، أود الإشارة إلى العنوان الذي عنونها الكاتب بروايته “فئران أمي حصة”، و التي ما إن تلتقطه مسامع أحدهم، حتى تبث في نفسه ارتجافاً و وجلاً لا يدريه و لا يعلم لم قد يعتريه هذا؛ فقد توفق الكاتب و أجاد عنونة الرواية من غير أدنى شك بهذا العنوان. إلا أن الغلاف و الصورة التي تحملها الرواية، لربما لم تكن في محلها تماماً. إذ أنها كانت تحدد صورة، ما كانت الرواية تتحدث عنها. و أعني بذلك أن للصورة التي حملتها الرواية دلالة لأمر محدود ليس من السهل أن يتضح للقارئ ذلك، و بتحديدها ذلك كسرت احدى نوافذ الرواية العدة. فقد كان هناك خطأ ملموس في ذلك من قبل الكاتب و ما اختاره من صورةٍ لروايته. إلا أن هذا، لم يسيء بشكل كبير إلى الشكل النهائي التي ظهرت فيها الرواية ككتاب. كون أن ما كان مكتوباً في مقدمة الرواية، و غلاف الكتاب، الجزء الخلفي منه، و كذلك المداخل، كانت كفيلة بأن تزيل الانطباع السيء التي تبثه الصورة في نفوس مقتني الكتاب. فالنصوص المكتوبة في بداية الرواية و في مؤخرة الكتاب، كانت لها من التأثير الإيجابيّ ما يكفل بأن يغير الانطباع التي تركته الصورة في نفوس من همّ بقراءتها. و مع ذلك، لم تكون هذه النصوص تفسد من الرواية و شغف القارئ في قراءتها. إذ أن معظم الكتاب، يسيئون في اختيار النص الذي يعتلي مقدمة الرواية و غلاف الكتاب، الجزء الخلفي منه. حيث أن معظم النصوص تفسد من شغف القراءة لدى القارئ للرواية و تفضح شيئاً كبيراً من الرواية. إلا أن الكاتب هنا، كان فطن لهذه النقطة جيداً جداً؛ و أجاد ذلك بذكاء.

 

على سيرة النصوص، فالرواية و الطريقة التي كُتبت فيها، كانت تبلغ مبلغاً كبيراً من الإجادة الأدبية و التي أشرت إليها في بداية هذه القراءة. فالكاتب، لم يسيء لجمال الحبكة و الروائية الفذ التي اجتهد في صنعها في الرواية بجمال اللغة الأدبية التي استعملها في رواية روايته. فبغض النظر عن الحقائق التي كانت الرواية تحملها بجمالي أدبي فذ و صياغة لغوية بهية، كانت الرواية مليئة جداً بالجمل التي تختصر قصصاً كثيرة تروى هنا و هناك. و بالرغم من ذلك، لم تكن تسيء للرواية و تضيف عليها زيادة بلا هدف و لا حضور، تلك الجمل. فعندما نتحدث عن عملٍ من أعمال “سعود السنعوسي” يصعب على القارئ أن يجد فيها نصاً أو جزءً بلا هدف في وجوده أو حضوره. فكل شيء في الرواية يدل على شيء، و كل شيء يُحدِث بشيء، كما و أن كل شيء يفضي إلى شيء آخر؛ فلا شيءٌ كان بلا كيان. و هذا كفيل بأن يمنح الرواية نصيباً كبيراً من التقييم الإيجابي.

 

بعيداً عن الجانب الأدبي، أود الإشارة إلى مقدرة الكاتب في جعل القارئ شغوفاً باستكمال القراءة رغم صناعته للروايةٍ تحمل من الشخوص و الأحداثٍ عدداً هائلاً كبيراً دونما أن يسبب ذلك تشتتاً و لا ضياعاً للقارئ. و هذا حتماً قدرة روائية كبيرة. فقليلون أولئك الكتاب الذين تتعد في روايتهم الشخوص و تتكاثر فيها الأحداث و تتشابك دون أن تسبب ضياعاً للقارئ فيما يقرأ. و كان الكاتب في “فئران أمي حصة” مقتدراً على ذلك بجدارة.

 

نقطة أخيرة لا بد من الإشارة إليها لعجيب ما صنع الكاتب في ذلك. فهل من الممكن أن يصدق أحدٌ أن تنتهي الرواية و لا أحد قط يعلم ما اسم البطل؟

رغم هذا و ذاك، سأعود مجدداً لأقول أن الرواية ليست لأي قارئ يكون. هذه الرواية لا يستحق قراءتها إلا من هو جديرٌ بذلك. و لا يحق لأحد أن يقرأها ما لم يكن جديراً بقراءتها. فهذه الرواية إرث، و عندما أقول إرث، فلا يجدر لأي أحد يكون أن يحمل الإرث بين يديه ما لم يكن جديراً بحمله حتماً.

 

 

 

 

Advertisements

One thought on “فئران أمي حصة / سعود السنعوسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s