التائهون / أمين معلوف


التائهون - أمين معلوف

 

 

 

 

 

 

 

من له أن يتحدث عن الأدب الفرنسي دون أن يمتدح فيه؟ خصوصاً، الأدب الروائي الفرنسي؟ من يكون له خوض حديث طويلٍ فيه دون أن ينبهر به؟ مدهوشاً، يسكر معه؟

يا إلهي! ماذا عساي أقول! ترى ما يمكنني أن أقوله لأحمل بما أقوله وزن الأدب الروائي الفرنسي؟ هذا الأدب الذي لا بد و أن يدهشك! يفاجئك! يقصم ظهرك بالدهشة التي و لا من الممكن أن تتوقعها مهما حاولت ذلك!

 

أمين معلوف، هذا الروائي الفرنسي لبناني الأصل في جنسيته. لن أنكر بأني كثيراً ما مررتُ باسمه و بروايته “التائهون”، في جلسات عدة و مجالس كثيرة. إلا أني في كل مرة كنت أتجاهل القراءة له و محاولة الاقتناء له حتى. لماذا؟ ببساطة لأني دائماً ما كنت أتهرب من قراءة الأدب العربي الروائي! مما جعلني أظن من اسمه، أنه مجرد روائي عربي ذو رواياتٍ عربيةٍ. و الذي تبين لي لاحقاً بأن رواياته مترجمة من الفرنسية التي كتب بها.

لكن الآن، أحمل من ندبة من الندم، يدفعني على البكاء لأني تأخر في قراءة هذه الرواية، التائهون. أشعر بالندم لأني ارتكبت حماقة كتلك. حماقة لا تغتفر. إلا أني اغتفرتُ منها بقراءتي لها قبل أن أتيه عنها مجدداً و طويلاً.

 

هذه الرواية “التائهون”، يمكنني أن أقول أنها قصة عن أصدقاء فرقتهم الحرب و حاولوا بأن يعيدوا لم شملهم من جديد بعد ربع قرن، لكنها ليست كذلك. و من يتحدث عن هذه الرواية بتلك الطريقة، فلم يتمكن من قراءتها قراءة صحيحة.

حقيقةً، هذه الرواية لا يمكن لأحد أن ينتقدها، أو أن يتحدث عنها بسوء! كيف لا و هي التي كانت لا تمنح فرصة للثغرات من المساس بها يفضي به القارئ ما يلتمس منها نقداً. نقية، صافية، عميقة حد الدهشة المؤلمة.

 

فمنذ السطور الأولى، كان الكاتب يرمي للقارئ أحجيات، و يثير في نفس القارئ الرغبة في حلها لا مجرد إلقاء نظرة عليها و الرحيل وحسب. و في كل مرة يتمكن فيها القارئ من حل الأحجية، يجد بين يديه من جديد أحجية صنعها بحله للحجية الآنفة بنفسه. و هكذا دوليك، مما يمنحك القارئ الاسترسال العميق في القراءة دونما الشعور بثقل القراءة و دسامة ما يقرأ حتى؛ يفضي به حل الأحجيات إلى الدهشة التي ربما لا صحوة من بعدها.

فالكاتب كان متمكناً ذكياً جداً في جعل الرواية تبدو كأنها رواية تائه لا تحمل من المعاني أي شيء. إلا أن التعمق في قراءتها كل مرة أعمق و أعمق، تجعل القارئ يتنفس القراءة بتعطش لذيذٍ مسكر.

فالحبكة الروائية في الرواية، تبدو و كأنها بسيطة، في غاية اليسر في الكتابة و التأليف. إلا أن الكاتب كان حاذقاً في صناعته للرواية. كيف جعلها بسيطة سلسة، تبدو و كأنها لا شيء. و في الوقت المناسب و في اللحظة المناسبة تماماً، صنع لها الدهشة! تلك التي تَسكر بها حتماً.

 

الحقيقة أن أولئك الكتّاب الذين يمكنهم توقع ما سيكون عليه ردة فعل قرائهم المحتملين للرواية التي لا تزال طور الإنشاء و العمل بين يديهم، يصنعونها وفقاً لردة فعل قرائهم المحتملين؛ هم حتماً كتابٌ متمكنون من الحبكة الروائية أيمّا تمكن.

فالكاتب هنا في “التائهون”، كان كذلك. يعلم متى و ما سيقول القراء لأنفسهم بينما هم يقرؤون روايته التائهون، و في تلك اللحظة، اللحظة المناسبة، صنع لهم الدهشة التي تُسكرهم و تمنحهم اللذة في القراءة!

 

مع كل هذا، إنه لمن الصعب أن أقرر قراءة رواية أخرى لكاتب ما، بينما أنا أقرأ له للمرة الأولى رواية كتبها. إلا أن أمين معلوف، منحني في السطور الأولى من روايته “التائهون” الرغبة العارمة للقراءة له مجدداً مرة أخرى.

 

أما من الناحية الأدبية، فاللغة قوية جداً. مفعمة بالحياة، مليئة بالنبض الوردي الذي يمسح على رأسك يخبرك في كل مسحة أمراً مغايراً عن ما تظن و يراودك بينما أنت تقرأ. كيف كان الكاتب يجعل القارئ يشعر و كأن الراوي يروي للقارئ عن قصة سمعها و قُص عليه من قبل، و في كل مرة يسأل فيه القارئ موجهاً السؤال للراوي: “أوه! ماذا حدث بعد ذلك؟” و ما يكون من الراوي جواباً إلا أن يقول: “لا أعلم، دعني أستذكر ما كان الراوي يقول لي آنذاك”.

كأنما الكاتب لا علاقة له بالرواية التي يقرأها القارئ. و كأنه ثمة طرف ثالث و رابع في أحيانٍ ما، يروي فيها الرواية. بالرغم من ذلك، كان الكاتب يتمكن من أن يجعل القارئ مسترسلاً في القراءة مع كل هذه الكركبة، دونما أن يشعره بأي تشويشٍ أو يختلط عليه الأمر ولو للحظة حتى!

 

 

في رواية التائهون، كان الأمر يبدو و كأنها رواية فحسب؛ بلا قضية و لا مغزى يذكر. رغم أن الكاتب كان مُجيداً جيداً في جعل الأمور، معظمها، مبطنة بشكل ظاهر للعيان في ذات اللحظة. مما كان يترك للقارئ مساحة في تحديد وجهة نظره دون تدخل منه و لا دفعه في اختيار رأي ما. ومع كل هذا، كان الكاتب حاضراً في الرواية، رغم أن معظم الكتاب يفسدون في حضورهم بذاتهم في روايتهم، إلا أنه هنا، في التائهون، كان لا بد من تواجد الكاتب بنفسه. و كان كذلك. كان متواجداً دون أن يفسد بتواجده حضور الرواية في أي مكان ولا في أي موضع.

فالكاتب كان حاضراً بجانب الرواية، يستعرض القضايا التي طرحها بشكل فاتن لم يسبق لي و أن رأيت الإجادة مثلها في طرح القضايا من قبل في أية رواية. فكان الكاتب يطرح القضية و يشرحه للقارئ بكامل تفاصيلها و دونما أن يفسد بحضوره الرواية، و حين يفصل للقارئ القضية من كل زواياها، يضعه في حيرة و يُظهر له أن الطرفان في القضية لهما كل الحق في الموقف الذي اتخذوه. فيكون هنا للقارئ الحرية التامة في تحديد الصحيح من الخاطئ بحسب وجهة نظره، دون أن يتدخل الكاتب في ذلك إطلاقاً بالرغم من تواجده في الرواية.

 

جعلني هذا أتذكر مسلسل رسومٍ متحركة، ياباني “إنمي”، سبق و أن شاهدته كان يحدث فيه هذا النمط و الأسلوب في كيفية طرح القضية. “MONSTER” هذا الإنمي الذي صدر عام 2004 و التي كانت النسخة الورقية منه “المانجا” في عام 1994 و الذي لا يمكنني حتى التحدث عنه لعظيم ما كان منه في الحبكة. خصوصاً من ناحية طرح القضايا للمُشاهد بطريقة يجعله في حيرة من أمره. إذ أن الإنمي يعرض القضية بشكل يكون فيها أطراف القضية ذو مواقف صحيحة، بحيث يكون للمُشاهد الحرية التامة في تحديد من هو صاحب الموقف الصحيح بحسب وجهة نظره هو لا بحسب وجهة نظر كاتب القصة. كذلك كان الأمر في التائهون، فالكاتب كان يمنح القارئ الحرية التامة في تحديد صاحب الموقف الصحيح في القضايا التي يطرحها أمامه، بحسب وجهة نظره دون أن يجبره و لا يوجهه في اتجاه معين من القضية التي طرحها. فلا يمكن أن يصنع هذا إلا الكاتب المتمكن حقاً من الحبكة الروائية.

 

غير هذا، فإن الرواية كانت تُعلم و كأنما هي مدرسة! و هذا الأمر العجيب الذي لم أتمكن من كتابة هذه القراءة دون أن أشير إليها. كانت الرواية في نقاط ما دقيقةً و محددةً، تُعلم القارئ في المجال الأدبي كيف يفعل هذا ويصنع هذا دون أن تشعره و كأنه يقرأ كتاباً تعليمياً. ففي الرواية، كان الكاتب يُنهِلنا شيئاً من خبرته الأدبية و القليل من خبرته الروائية أيضاً دون توسيع إطار ذلك للإفساد على الرواية في حضورها؛ بشكل دقيق و مدروسٍ للغاية.  

 

حتماً كان الكاتب له الحق كل الحق في فعل ذلك. كيف لا و هذه الرواية كان بها من الحوارات الطويلة الكثير دون أن يشعر القارئ بالضياع و الضجر بينما يقرأ. ففي الرواية كان الكاتب يعرض الحوارات بسلاسة و بخفة على القارئ رغم طول الحوارات و الإسهاب فيها دونما أن يشعر القارئ بذلك. فما كان من القارئ إلا أن يتلذذ في كل حوار و في كل جدل بشكل لا ينفك عن قراءتها مرة تلو أخرى تلو أخرى. فجمال اللغة و أسلوب الحوارات في الرواية بحد ذاته رغم الإسهاب فيها، كان عظيماً بلا أدنى شك.

 

غير هذا، كان الكاتب موفقاً في اختيار العنوان الذي له من الأثر الجميل على من يقتنيه قبل أن يشرع في قراءة الرواية. إلا أن النص المختار من خارج الرواية، المكتوب في غلاف الكتاب من الجهة الخلفية، لم يكن الكاتب موفقاً في اختياره. كون أنها كانت تفسد من قيمة الرواية و ما فيها من حبكة و دهشة، قبل أن تفسد من شغف من يقتنيها للقراءة.

 

بعيداً عن كل هذا، بينما كنت أقرأ و منذ الخمس صفحات الأولى. لمحت أن من الرواية شيئاً من حياة الكاتب التي عاشها فيما مضى. و إن صح التعبير، كانت الرواية من حياة الكاتب و كان هذا جلياً لي تماماً قبل أن أدركه مصرحاً من قِبل الكاتب في تعريف الرواية. إلا أني لم أكن لأستسيغ القراءة كون أني لا أحب قراءة السير الذاتية إلا ما ندر منها. فهذه الرواية لم تكن معروضة كسيرة حياة الكاتب الذاتية كي لا أستسيغها. إنما، هي كما صرحها الكاتب أموراً مقتطفة من حياته مع إضافاتٍ من حبكته الروائية الفذة. إلا أن الرواية، كانت لا تبين أن بها من حياة الكاتب مقتطفات، قط، بالرغم من أن الأمر تبين لي و بالرغم من أن الكاتب صرح بذلك فهي كانت رواية بحذافيرها. مع هذا و ذاك، لن أقول إلا أن الرواية جدُ عظيمة. و تستحق القراءة أكثر من مرة واحدة بشكل بديهي بحت!

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s